ساعة بيغ بن الأممية تدق... لقد حان وقت رحيل أنطونيو غوتيريش، الذي يستعد لجمع أوراقه ومغادرة مقر الأمم المتحدة، حاملًا ذكريات سنوات مثقلة بالتحديات، وتاركًا وراءه عالمًا أشد اضطرابًا وأزمات أكثر تعقيدًا مما كان عليه يوم تسلّم منصبه. وبين حروب تحصد الأرواح، وأزمات اقتصادية تثقل كاهل الشعوب، وثقة تتصدع بين القوى الكبرى، تبدو المنظمة الدولية كسفينة تتقاذفها الأمواج، فيما لا يزال قبطانها المقبل مجهولًا. وفي أروقة نيويورك، تتكثف المشاورات، وتخيم الحيرة على الوجوه، كأن الجميع يدرك أن العالم لا يحتمل خيبة جديدة. فهل ينجح الكبار في الاتفاق على قيادة تعيد شيئًا من الأمل إلى عالم أنهكه الصراع، أم تدخل الأمم المتحدة مرحلة من الغموض، في لحظة تتطلع فيها الشعوب إلى صوت يجمعها، لا إلى خلاف جديد يفرقها؟
حتى كتابة هذه السطور، لم يحسم مجلس الأمن هوية خليفة أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته في 31 كانون الأول. وفي الاقتراع التمهيدي السادس، واجه المرشحون السبعة اعتراضات من أعضاء دائمين، في إشارة مقلقة إلى أن طريق التوافق لا يزال محفوفًا بالعقبات، وأن ساعة الاستحقاق تقترب فيما القرار بعيد المنال.
ثلاثة أسماء تبرز في مقدمة نتائج الاقتراع: "ريبيكا غرينسبان"، من كوستاريكا، رئيسة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية؛ و"كارولين رودريغيز بيركيت"، من غايانا، سفيرة بلادها لدى الأمم المتحدة؛ و"رافائيل غروسي"، من الأرجنتين، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تقدم هؤلاء في أصوات التشجيع، لكنهم واجهوا اعتراضين من الأعضاء الدائمين لكل منهم. وقد أشارت تقارير إلى تحفظات أميركية مرتبطة بمواقف "غرينسبان" من الحرب في غزة والضفة الغربية، من دون أن يعني ذلك أن جميع أسباب الاعتراضات معلنة أو محسومة.
أما المرشحون الأربعة الآخرون، وهم "ماريا فرناندا إسبينوزا غارسيس" و"أولارا أوتونو" و"ماكي سال" و"إيفون عبد الباقي"، فلم يحققوا نتائج مرضية في الجولة الأخيرة. فليس مطلوبًا العثور على مرشح يحظى بتأييد واسع فحسب، بل على شخصية لا يعترض عليها أي من الأعضاء الخمسة الدائمين: الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا.
المساومات لا تهدأ. يخيم القلق على أروقة الأمم المتحدة. وبين همسات الدبلوماسيين وحسابات الكبار، تتردد أحاديث عن احتمال دخول اسم جديد إلى السباق، بحثًا عن مخرج من الجمود.
حتى الآن، لا توجد خطة انتقالية معلنة أو فتوى قانونية تحسم مصير المنصب إذا انتهت ولاية غوتيريش دون توافق على خلف له.
إذا استمر الانسداد حتى 31 كانون الأول، فقد تضطر الدول إلى البحث عن تسوية في اللحظة الأخيرة، أو ترتيب انتقالي، أو تمديد ولاية غوتيريش. لكن أيًا من هذه الخيارات ليس قرارًا تلقائيًا، وكلًا منها يحتاج إلى معالجة سياسية وقانونية مناسبة.
وللتاريخ سوابق تستحق التذكير. ففي عام 1950، مُددت ولاية النروجي "تريغفه لي" ثلاث سنوات بعدما تعذر الاتفاق على خلف له. وفي عام 1961، عُيّن "يو ثانت" من ميانمار أمينًا عامًا بالإنابة عقب وفاة السويدي "داغ همرشولد"، قبل تثبيته في المنصب عام 1962. هذه التجارب تقدم دروسًا، لكنها لا تعني أن أزمة اليوم ستُحل بالطريقة نفسها.
حتى الآن، لا يوجد فيتو رسمي نهائي على المرشحين، ولا اتفاق معلن على تمديد ولاية غوتيريش. الموجود هو مأزق سياسي، ومفاوضات مفتوحة، وموعد نهائي يقترب.
وسط الانسداد الدبلوماسي، وتضارب الحسابات بين القوى الكبرى، والبحث المضني عن شخصية تحظى بقبول دولي، بدأ اسم السفيرة الإماراتية السابقة "لانا نسيبة" يتردد في أحاديث عن احتمال دخولها سباق الأمانة العامة للأمم المتحدة. وحتى الآن، لا يوجد تأكيد رسمي على ترشيحها، لكن مجرد تداول اسمها يفتح بابًا يستحق التأمل.
لانا نسيبة ليست وجهًا عابرًا في الدبلوماسية الأممية. إنها من الشخصيات التي تركت بصمتها بحضور لافت، وذكاء سياسي، وثقافة واسعة، وصلابة هادئة لا تحتاج إلى ضجيج أو ماكينة سوشال ميديا كي تثبت نفسها. خلال عملها في الأمم المتحدة، جمعت بين وضوح موقفها ولباقة الحوار، وبين الدفاع عن مصالح بلادها وفهم تعقيدات المشهد الدولي. وقد جعلها هذا المزيج من الوجوه الدبلوماسية النسائية العربية التي استقطبت اهتمامًا واحترامًا في أروقة المنظمة.
فلسطينية الأصل، إماراتية النشأة، ترعرعت على أرض الإمارات وشربت من مياه "العين"، فحملت في وجدانها ذاكرة فلسطين، وفي شخصيتها أصالة الإمارات وانفتاحها على العالم. جمعت بين الثقافة والذكاء السياسي، وصقلت تجربتها في ميادين الدبلوماسية، حيث لا تكفي قوة الحجة دون حكمة، ولا يكتمل الحضور دون ثبات في المواقف وبراعة في التفاوض.
وتكتسب الأحاديث عن احتمال ترشيحها أهمية إضافية من الموقع الدولي المتقدم الذي تحتله الإمارات اليوم، وشبكة علاقاتها الاقتصادية والتجارية والمالية الممتدة عبر القوى العالمية، وحضورها المتنامي في الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومواجهة تحديات المناخ.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية. لانا امرأة، والأمم المتحدة لم تعرف في تاريخها أمينًا عامًا امرأة، رغم الدعوات المتكررة إلى كسر هذا الحاجز. فهل تكون هذه الدبلوماسية الإماراتية، إذا ترشحت رسميًا وحظيت بالتوافق المطلوب، أول امرأة تتولى هذا المنصب الدولي الرفيع؟
السؤال أكبر من اسم، وأبعد من طموح شخصي. فالعالم يعيش مرحلة ملتهبة اقتصاديًا ودبلوماسيًا، وتحتاج الأمم المتحدة إلى قيادة تستطيع تقريب المسافات بين الخصوم.
تبدو لانا نسيبة اسمًا جديرًا بالتقدم إلى واجهة النقاش في هذه اللحظة الدولية الدقيقة، في حين يتداول دبلوماسيون خليجيون بحماس وفخر احتمال ترشيح الإماراتية لانا نسيبة لمنصب أمين عام الأمم المتحدة.
ومع اقتراب ساعة الحسم، يبقى مستقبل الأمم المتحدة معلقًا بين رفض الدول دائمة العضوية وحسابات دولية لا تعرف المجاملة. فهل تنجح الدبلوماسية في فتح نافذة للأمل، أم تترك المنظمة في مهب المجهول، في عالم لم يعد يحتمل مزيدًا من الانقسام؟ الأيام المقبلة وحدها ستكشف إن كان الكبار سيصنعون توافقًا ينقذ المنظمة، أم أن ساعة بيغ بن الأممية ستدق هذه المرة على إيقاع الصواريخ.
سمر نادر–الأمم المتحدة
نيويورك






















































